التنوع الاجتماعي والديني والقومي في العراق وأهميته في بناء المواطنة والتعايش السلمي

دور الأقليات وأهميتها في بناء الاستقرار الاجتماعي
ليكن عام 2021 عام الأقليات في العراق
كلمة السيدة جانين هينيس-بلاسخارت، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق
الخميس 31 كانون الأول 2020


أصحاب المعالي،
سيداتي، سادتي،
يسرني جداً أن أتوجه بكلمتي إلى المشاركين في ورشة العمل هذه، والتي تأتي في وقتها المناسب، وتعالج موضوعاً كان يمكن ببساطة أن يهمل، بالنظر للتحديات الكثيرة والمتلاحقة التي تواجه العراق. وأجد من المشجع للغاية أن أموراً مهمة كالمواطنة والتنوع وشمول الجميع والتعايش قد وُضعت اليوم ضمن صدارة الأولويات ومحور الاهتمامات.
لقد عززت السنوات التي قضيتها في العراق قناعتي أن التسامح وشمول الجميع ليستا ضرورتان أخلاقيتان وسياسيتان فحسب، بل هما تشكلان مصدراً قيماً للحيوية الوطنية والثروة الثقافية، وحقاً، للثروة الاقتصادية. فالمجتمع الذي تتعايش فيه سلمياً جماعات متنوعة لا يكون آمناً فحسب، بل يكون أيضاً مجتمعاً نابضاً بالحياة ومزدهراً وواثقاً بنفسه.
إنها صيغة نمطية وفي نفس الوقت حقيقة أساسية أن العراق كان دائماً ولا يزال فسيفساء غنية من الثقافات. فقد نشأت بعض أعظم الاختراعات في التاريخ الإنساني أو تم تحسينها هنا، كالعجلة والكلمة المكتوبة وعلم الجبر وعدد لا يحصى من الاختراعات الأخرى.
ومن الأمور البالغة الأهمية أن تلك الاختراعات لم تكن إنجازات مكون واحد أو تكلمت بلغة واحدة أو اشتركت بنفس الثقافة، بل على العكس كانت نتاجاً للتنوع وتبادل الأفكار والآراء. إن المكونات المجتمعية التي منحت الإنسانية هذا التراث قد تقبلت اختلافاتها واستفادت منها.
وللعراقيين أن يفخروا بنفس القدر بتنوعهم الحالي، فهو لا يضفي جمالاً ثقافياً أخاذاً فحسب، بل يمكن أيضاً أن يوفر ميزة تنافسية في اقتصاد المعرفة العالمي.
بيد أن "بيت الحكمة" الذي يتمتع بالقوة ينبغي أن يقوم على أسس راسخة، ولكن للأسف، تعرضت تلك الأسس في الآونة الأخيرة إلى هزات في الصميم. لقد تآمر سوء الإدارة، والتوترات الجيوسياسية، والفصل المجتمعي القاسي، وخطاب التحريض والكراهية، ورعب داعش، لجعل العديد من العراقيين في وضع غاية في الهشاشة.
وتتضرر الأقليات العراقية، بالإضافة إلى النساء والصغار وكبار السن والذين يعانون من الإعاقة، على نحو غير متناسب من التهجير والحرمان من الحقوق وضعف الحصول على الخدمات الأساسية، الأمر الذي زاد من وطأة الانكماش الاقتصادي.
وفي إحاطتي الأخيرة التي قدمتها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شددت على أن محاربة المحاصصة المثيرة للانقسام ومحاربة الفساد وبناء القدرة المحلية على مواجهة الأزمات وأشكال أكثر شمولاً من التنمية ليست مجرد ضرورات اقتصادية، بل هي توفر بديلاً سياسياً لإدارة الأزمة المستمرة. وعلاوة على ذلك، من شأن التماسك أن يضعف مكانة أولئك الساعين إلى مغانم شخصية بدلاً من المصلحة الوطنية، ومن شأن الوحدة أن تعزز السيادة: فكلما زاد عدد العراقيين الذين يتكلمون ويعملون كشخص واحد، تضاءلت فرص ضعفهم أمام التدخل الخارجي.
وفي المقابل، سيكون المجتمع الذي تسوده الوحدة في وضع أفضل للدفاع عن مصالحه على المستوى الوطني، لذا تكون المصالحة ضمن المجتمع المحلي على نفس مستوى أهمية العمل على المصالحة بين المجتمعات.
نتفق جميعاً على أن حماية التنوع أمر حتمي، لكن السؤال هو: كيف؟ حسناً، إن المفتاح هو: أن يكون احترام الحقوق الأساسية وسيادة القانون سارياً على الجميع بلا استثناء.
وعلى غرار تقاطع الطرق الحقيقي، يأتي مفترق الطرق الحضاري بعدة خيارات، ويسمح لنا بالذهاب في اتجاهات شتى. ولكن عبور مفترق طرق على نحو صحيح يتطلب قواعداً وأن تُحترم تلك القواعد. وسيتفق أي شخص قاد سيارة في بغداد أن القليل هم من يلتزمون بأية قواعد لمشاركة استخدام الطريق.
وبناء على تلك الاستعارة: إن احترام الهويات المتعددة التي يمكنها أن تندمج مع، أو تكمل، بعضها، بدلاً من اضطهاد واستبعاد وإلغاء بعضها للبعض الآخر، يتطلب اعترافاً بتساوي كل مواطن أمام القانون.
ويتوجب على الزعماء السياسيين والمجتمعيين أن يبادروا وتتكاتف أيديهم لخدمة مصالح الشعب العراقي، وأن لا ينخرطوا أبداً في أفعال وتصريحات تحريضية من شأنها أن توصم أو تلوم أو تجرد الآخرين من إنسانيتهم، وأن لا يتغاضوا عن تلك الأفعال والتصريحات.
ومثلما يجب معاملة العراق على قدم المساواة كدولة ذات سيادة ضمن المجتمع الدولي، يجب معاملة كافة العراقيين كمواطنين متساوين في وطنهم. وتقوم الأمم المتحدة على المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء، وستكون سيادة العراق في أقوى حالاتها عند ضمان المساواة بين جميع مكوناته.
ويعتبر الإعلان العالمي لحقوق الانسان وإعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية من الوثائق الأساسية، لكننا سوف نركز اليوم على مبدأ اساسي: أن من مسؤولية كافة الدول حماية وتعزيز هوية الأقليات ولا يجوز ممارسة التمييز ضدهم.
وبطبيعة الحال، فإن الهويات الفردية والجماعية تتشابك بطرق معقدة، بيد انه لا يمكن ان يكون هناك حقوق أسمى او حقوق منفصلة لأية جماعة من شأنها أن تضع افرادها خارج سيادة القانون. ولا يجوز مطلقاً التذرع بالهوية الاجتماعية او الثقافية او الدينية لتبرير أي شكل من اشكال الاضطهاد او انتهاك الحقوق.
ان ورشة اليوم تطلب منا ان نبحث دور التنوع في بناء المواطنة: وفي الحقيقة، يمكننا ان نؤكد أهمية حقوق المواطنة في الحفاظ على التنوع.
وكما تعلمون، يعدُّ تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون ركن اساسي من أركان الولاية المنوطة بالأمم المتحدة في العراق:
- نرصد حالة حقوق الانسان ونقدم التقارير عنها – بما في ذلك حقوق الأقليات.
- نساعد على تعزيز المؤسسات الحكومية من أجل ضمان تمتع الجميع بهذه الحقوق، فلدينا شراكة قوية مع المفوضية العراقية العليا لحقوق الانسان ونأمل ان يتم قريباً إتمام القانون الخاص بمناهضة التمييز وحماية التنوع.
- ندعو على نطاق واسع من اجل حماية الأقليات، بما في ذلك لغاتهم وحقوقهم ،حيث ركزت ورشتا عمل أقيمتا مؤخرا في بغداد وأربيل على هذه الأمور تحديداً.
- نيسر مبادرات المصالحة المجتمعية ونشارك فيها في كافة انحاء العراق.
- نسعى الى معالجة الأسباب الجذرية لعدم المساواة وقضايا مثل خطاب الكراهية، والذي تبنت البعثة خطة عمل لمناهضته، وسنواصل الدفاع عن التدابير القائمة على الحقوق، بما في ذلك ما يخص مسودة القانون بشأن مكافحة الجرائم الالكترونية.
- ندعم العودة الآمنة للنازحين الى مجتمعاتهم الاصلية، لا سيما عندما يكونون في وضع أقلية.
- نؤكد الحاجة الى العدالة والمساءلة عن الجرائم التي تضررت منها المكونات العراقية، وكذلك الحاجة إلى زيادة وعي الناس بتاريخ العراق الحافل بالاضطرابات فيما يخص الأقليات.
وفي حوارات جرت مؤخراً مع ممثلي الأقليات وكذلك المتظاهرين الشباب، شعرت (مرة أخرى) بشدة يأسهم وخيبة أملهم. شرحت لهم بأن التغيير يحتاج الى وقت وعمل جاد يضطلع به العديد من الاشخاص. وكذلك بينت لهم بأن الفهم المشترك بشأن الطريق إلى الأمام لا يمكن أن تفرضه الأمم المتحدة: فالملكية العراقية لذلك الفهم أمر أساسي.
أنا أول من اعترف بأن التحديات التي تواجه العراق لم تظهر بين ليلة وضحاها وهي أكبر من أي حكومة بمفردها. بيد أن روح الوحدة الأساسية غالباً ما تقوضها المصالح الضيقة المثيرة للانقسام.
لقد تغلب العراقيون في الماضي على تحديات جسام، واليوم لا ينبغي لهم أن ييأسوا. في شهر تشرين الأول الماضي احتفلت الأمم المتحدة بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لعملها في خدمة الإنسانية. والعراق عضو مؤسس للأمم المتحدة، وسنواصل شراكتنا والعمل سوية من أجل مجتمع عراقي أكثر أماناً ورخاءً وعدلاً.
في الأمد القريب، سيواصل العراق مواجهة العديد من العواصف في وقت واحد: من التحديات الاقتصادية والأمنية الى الحاجة الملحة للإصلاح.
يمكن لانتخابات حزيران عام 2021 أن تمنح كافة العراقيين الفرصة لإيصال صوتهم في صياغة مستقبلهم. وستثبت مصداقية هذه الانتخابات أنها مهمة جداً، ويجب على الزعماء السياسيين ضمان أن تدور مناظراتهم حول الأفكار والسياسات بدلاً من سياسة الهويات المفلسة.
أتمنى بإخلاص ان يكون عام 2021 عاماً يمكن لكل عراقي أن يقول فيه بفخر "أنا العراق ايضاً".
شكراً لكم.

جميع الحقوق محفوظة United Nations Iraq © 2021.